البخاري
تصدير 68
صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )
ممن سمعوا الجامع الصحيح عن البخاري ، وكان مماته سنة تسع وعشرين وثلاثمائة ، بعد موت الفربري بتسع سنين . كتاب واحد من كتبه يبلغ عدد تلاميذه فيه تسعين ألفا ، فكم يكون عدد تلاميذه في سائر كتبه ؟ وكم يكون عدد تلاميذه الذين سمعوا منه ، وكتبوا عنه ما لم تتضمنه كتبه ؟ . إنّه عدد لا يدركه حصرنا ، ولا يحصيه إلّا اللّه . ولا شك في أن تربية البخاري لهذه الجموع الكبيرة من تلاميذه ، تعد من أعظم الأعمال العلمية التي حفلت بها حياته المباركة ، ولكنها - مع جلالة قدرها - لا تبلغ مبلغ الجهد العظيم الذي بذله في التصنيف والتأليف . إنّه بتربية هؤلاء التلاميذ قد صنع من نفسه حلقة تربطهم بعلم شيوخه ، وصنع بكل منهم حلقة أخرى تصل هذا العلم إلى طبقة جديدة من التلاميذ ، وبتجدّد الحلقات تتفرع سلسلة هذا العلم وتمتدّ إلى ما شاء اللّه من تفرع وامتداد . وتسلسل العلم عن طريق الرواية وسيلة قيمة لنشره وانتقاله من جيل إلى جيل ، بل هو أصل الوسائل كلها مهما تختلف أشكالها ، غير أنّه لا ضمان لبقاء المرويّات كاملة على امتداد الزمن ما لم يشدّها إلى الحافظة نظام يمنعها من التفلّت ، وكم من شذرات علمية نفيسة ، تخوّنها ضعف الذاكرة ، فتناقصت شيئا فشيئا ، إلى أن زحف عليها النسيان ، لأنّها تركت مبعثرة لا ينتظمها سلك من التنسيق .